الجمعة، 18 أكتوبر، 2013

حدث في الحُسين


كُنت عصبية, لكني مضيت في طريقي للأزهر و الحُسين على أمل أن أجد بعض السعادة, و كانت آخر زياراتي للحُسين منذ سنوات عِندما كُنت أُنظِّف و أوسِّع خاتم الزواج الماسي عِند الجواهرجي الذي كُنت أتعامل معه بِحيّ خان الخاليلي, يومها كُنت فرِحة, تجوّلنا كثيراً, رسمت الحنّة على كفّي و شربنا شاي في قهوة الفيشاوي و إلتقط لي زوجي صورة جميلة و أنا أضع البُرقع, أمّا هذه المرّة الأمر كان مُختلِف.

هُناك صلّيت العصر في جامع الحُسين لأول مرّة مع أُمي و إبنتي, كُنت خائفة, بل و مُرتعِبه من هذا العدد الهائل من الشحاذين الذي فاق عدد الوافدين و الذين منعوا عنّي أي شعور بالروحانية, و بداخل المسجد الغير مُعتنى به نهائياً و المُمتلئ بالأتربه و الأشياء الغير مفهومة من ساعات حائط كثيرة و لوحات و كتابات غير مُنسّقه, وجدت رجل بين النساء, يعمل بالمكان على الأرجح يحتفظ عنده بالأحذية, كان يتجول بينهن و هُن يُصلّين ببساطة!, بعض النساء كُن يُغنين أهازيج لم أُفسّرها لكنها أضافت حميمية لغرابة المكان, البعض كُن يبكين عِند ضريح الحُسين, و يدعون بصوت مسموع, هزّني ألمهن لكني لم أجرؤ أن أقترب, بداخلي كان صوت قوي من المنطق يقول أن هذه خرافات, البعض يرتاح لأن يُسلِّم يقينه للخُرافات, لكن لست أنا.

هل كان هذا هو نفس الحي الذي زُرته قبل سنوات طويلة؟ لا لم يكن هو, أين الباصات السياحية التي كانت تصطف على جوانب الطريق, أين السُيّاح الذين كانوا يملأون المكان برطنهم للغات المختلفة و عيونهم المُندهشة, أين المصريين حتى الذين كانوا يملأون الأسواق, أين قوائم الإنتظار أمام المطاعم المُمتلئة عن آخرها,  أنا لم أجد إلّا بعض الرجال الغُرباء الذين كانوا يحثوننا على تناول الطعام بمطاعمهم, بشكل بائس حتى أنهم كانوا أحياناً يقولوها علانية "ساعدونا فلم يعد أحد يزور المكان" و يوعدون بألذ الأطعمة و أفضلها, و يكادون يشُدّونا مِن أذرعتنا حتى ندخل!

كان إبّني في حالة من الضيق لم أراه عليها من قبل, حتى أنه همس في أُذني "أنا حاسس إني في كابوس..و نفسي أغمض عيني و أفتح ألاقيني مشيت مِن هنا" ضحكت كثيراً و أدركت حينها أن الولد طبقي مثل أباه, و تأكد لي هذا أكثر عِندما جلسنا بمطعم الدهّان و كان مُتقزِز من الأرائك البالية و الشحاذين الذي إقتربوا من الجلوس معنا, ثم ظهرت القطط السمينة لتلعب حول مائدتنا, و هُنا صرخ إبني بأنه يُريد الرحيل, فإذا بـ(الرجل المسئول عنّا) هكذا شعرت, يُعطي إبني عصا معدنيّة صدئة و يقول له بمنتهى الذوق "يُمكِنك أن تهُشّ بِها القطط" ضحكت ضحك السنين على آمن و هو مُمسك بالعصا في ذهول.

اليوم لم يكن سعيداً كما تمنيت, لكني تعّلمت الدرس أن هذه الأماكن لا تُزار مع أطفال, و أن تناول المشويات في أبو شقرة أوفر, و الأهم أنّي وجدت وسيلة نافعة لتهديد آمن, فإمّا أن يسمع الكلام أو يذهب معي في نزهة جديدة لحي الحُسين :) 

الاثنين، 14 أكتوبر، 2013

أعرِف..و لكن!

الصورة من حفل توقيع صندوق ورق
أعرف أنّي نويت أن أكتب في هذه المدونة عن الأشياء المُثيرة للشغف و فقط.
و أعرف أن هذا العيد إستثنائي في قسوته
و أن قلبي مُغرق في ألمه
و أنّي على وشك ترك عملي
و أن الرواية التي إنتهيت مِنها حبيسة الأدراج
و أن المسئوليات تٌحطِم عِظامي كُل يوم
و أن الحياة فقدت ألوانها الزاهية و ظهرت فجأة ألوانها الحقيقية (البُنّي بدرجاته!)
و مع ذلك...

فقد حضرت منذ أيام حفلة لتوقيع كتاب صندوق ورق, و هو كتاب جماعي إشتركت فيه بِقصة "نُطفًتُهُ" أجبرت نفسي أن أكون مرِحة و تحدثت عن التدوين و تجربتي مع النشر و بحثي عن الشغف و قرأت القصة و ألقيت خاطرة, صحيح بخجل كبير يتخلله ضحك يُضايقني, و لكني كُنت سعيدة و تذكّرت أُمنياتي و تحسست أجنحتي, و الأهم أنّي شعرت بِحُب و تقدير الناس حولي على أرض الواقع و ليس فقط إلكترونياً.

كما إشتريت ثوباً جديداً للعيد..بُرتقالي يتخلله اللون البيج, خريفي له روح أوراق الشجر البالية التي ألقت بها الأشجار للرياح و الشوارع و السيارات و أذرُع النوافذ, و إشتريت ثوباً جديداً أيضاً لإبنتي لونه وردي مِثل وجنتيها, أمّا إبني..فهو لا يهتم من الأساس بالثياب و الشراء و يُضجِره أي نوع من التسوّق, و لا يهتم إن ظلّ يخرج بنفس الثياب كُل مرّة!

سأخرج, سأذهب لأي مكان حتى لو إكتفيت بتمشية طويلة في الشوارع, لن أقضي العيد بالمنزل أو جزيرة القُطن أو الترحال بين الشرفة و غرفة النوم و الجلوس مِثل ما تزعم مُعظم صديقاتي اللاتي يشكين الوحدة, أعتقد أن الوحدة تنبع من داخلنا, من ذواتنا, أنا لا أذكر يوماً أنّي شعرت بالوحدة مِثلما شعرتها في تلك الأيام التي كُنت مُحاطه بأعداد كبيرة من البشر, الوحدة لا تعني أن ليس هُناك من يُحيط بك, لكن تعني أن ليس هُناك من يسكنك, و أنا مسكونة بالصخب و بالكثير من الأحبّة, أقدمهم أهلي :)

أُفكّر بالذهاب للحُسين..أو أي مكان تُصافح عيناي فيه النيل 
ممممم لا أدري

قريباً سأكتب عن نزهة العيد


الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

عن ما سأكتب هُنا


في هذه الحياة و هذه المدوّنة
أنا لن أكتب عن نومي المُتقطع و عيوني المُعلّقة بالسقف و عادتي الجديدة في البُكاء في كُل زمان و مكان فجأة كأن الدموع أمطار قررت أن تهبط هكذا دون أن تتقيُّد بشئ.

لن أكتب عن صباحاتي المُتعبه و غفواتي و أنا أقود السيارة و الشوارع الكئيبة المُحيطه بالعمل و الأرصفة التي تئن و النيل العابس و الأغاني التي يُذيعها الراديو كأنه إتفق مع الحياة على إتلاف أعصابي.

لن أكتب عن ساعات العمل التي تمُر بطيئة و مندوبي الشركات و هم يُلاحقوني على الهاتف و على الدرج و في الشارع أحياناً, و ضجيج الخناقة التي أسمعها من الشباك و حقوقي التي يمنعني عنها عنكبوت الروتين و الفتايات حديثات التخرّج اللاتي يتعاملن بنصاحة كبيرة و حرص أكبر على حقوقهن قبل واجبتهن و حذائي الجلدي الذي يخنق قدمي بعد أن تخلصت من عادة إرتداء الأحذية الرياضية في العمل, و كانت عادة لطيفة لكني أسعى لتغيير شامل هذه الأيام لكُل عاداتي.

لن أكتب أيضاً عن الشوارع الخانقة المُزدحمة و سائق المايكروباص الذي كاد يصدمني و الفتاة المُستفزة التي وقفت أمامي بسيارتها و أغلقت كُل حواسها لتجعلني أعود بسيارتي للوراء شارع كامل..و أنا ضعيفة في العودة لكن جسورة في السير للأمام..و توهاني في وسط المدينة و السيارة التي إصطفت أمام سيارتي لتحبسني و تضطرني للإنتظار رُبع ساعة إضافية حتى يأتي السائق ليعتذر لي بإبتسامة بلهاء دون أن ينبس ببنت شفّة.

لن أكتب كذلك عن المصعد المُعطّل و صعودي للطابق السابع حافية بعد أن خلعت حذائي ذا الكعب العالي, و ضجيج الأطفال و أسئلتهم التي لا تنتهي و سخافة المطبخ و زوجة البواب التي أكاد أتوسل إليها حتى تُساعدني في نظافة المنزل و الأعمال المنزلية المُتراكمه و الأشياء التي أنسى دائماً أن أُصلحها و إفتقادي لإخوتي و قلق أُمي.

لن أكتب عن (هومورك) الصغير و تبعاته و إدعائي للصرامة و صُراخي و تلك النظرة المذهولة في المرآة التي تتساءل هل هذه أنا..؟, و لا عن تصفُّحي للإنترنت الذي أصبح يُثير أعصابي و يُضجرني من كم التصنُّع و الهيافة و المُبالغات التي أراها فيه.

كما أنّي لن أكتب عن ضجيج أفكاري و ظنوني و هلاوسي و دندتي لأغاني غريبة من إختراعي, وعن تحديقي للسقف و إنفصالي عن الكون لأوقات طويلة, و عن آلام في جسدي و هالات سوداء خلفها الأرق تحت عيناي, و عن قدمان مُتعباتان من الوقوف على أبواب الحياة.

لن أكتب عن رواية آنّا كارنينا التي أقرأها فأجد حُزني يشتد, و صديقتي التي تلومني دائماً على التقصير معها و الفوضى التي خلفها الصغار بعد نومهما و جفنان أثقلهما الصُداع و الرغبة الشديدة في النوم التي تُقاومها روحي الفرحة لأنها أخيراً أصبحت وحيدة في هدوء. 

سأكتب عن نفسي عِندما أرتدي ثياباً مُريحة فَرِحة و أضع عِطراً برائحة غزل البنات و أطلق الحُرية لشعري و البراح لقلبي ثم ألقي بنفسي على أريكة مُريحة و هاتفي جواري على الوضع الصامت و حاسوبي المحمول فوقي, في يدي مشروب غازي مُثلّج يغسل همومي بينما أكتب عن تفاصيل صغيرة تُثير شغفي و تمنح روحي إبتسامة...الكتابة في حد ذاتها شغف موصول بالروح..و دثار شفاف يلف مشاعرنا بعناية و يمنحها الأمان.

الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

أبوك كان أسد!

إتفقناعلى نزهة في هذا اليوم, كانت الإختيارات ما بين المركز التجاري الجديد بحي التجمع الخامس أو الملاهي الجديدة بحي السادس من أكتوبر, لم أكن مُتشجعه بما فيه الكفايه لمثل هذه النُزهات التقليدية التي تُعطي بعض المُتع الوقتية ثم تذهب مع الأيام و لا يعلق مِنها شئ في الذاكرة, كان شعور مُتازايد بعدم الإنتماء و الغضب يُداهِمنا في الأيام الماضية جعلني أُغير كُل خِطط الصغار, إذ فجأة فتحت اللابتوب و بحثت بين المتاحف القريبة, حتى عثرت على خريطة تفصيلية لمكان (متحف الفن الإسلامي).

الطريق في شارع الأزهر و وسط المدينة  بالنسبة لسائقة عصبية مثلي كان كارثة حقيقية, بعد مُعاناه وصلنا للمتحف الذي كان خالي إلّا من العاملين فيه رغم الزحام و الضجيج الكبير في الخارج, أنا بطبعي لست من هواة زيارة المتاحف أو الآثار أُفضّل الأماكن المفتوحة المُلوّنة بالطبيعة, لكن شئ ما بداخلي كان يُريد أن يتعّرف على الماضي, الحاضر يئست من صدقه معي و المستقبل لم أعد أفكّر فيه, لكن ماذا عن الماضي, ألا يُريد أن يُخبرنا بشئ.


المتحف كان على مستوى عالي و غير متوقّع من الأُبّهه, في المدخل كان مُصحف كبير مكتوب بخط اليد, خط رقعه بسيط و غير واضح إلّا بالتدقيق, و على الجنابات كانت قطع فنيه و معمارية من العصور القديمة, لوحات كبيرة تشرح العصور الإسلامية بالتفصيل, البدايات القوية, الفتوحات, الهيمنة, التطوُّر, التوسُّع, النهوض بالفنون (الفنون باللذات) ثم الطريق إلى السقوط, حتى الضعف الكامل و الفناء, هكذا كانت كل العصور, الأموي, الفاطمي, الأيوبي, المماليك, و حتى الإمبراطورية العثمانية, إختلفت الحِقب و المُدد, و بقى السقوط هو مصير كل عصر, و بِدأ عصر جديد أقوى.

أعترف أني ضعيفة في التاريخ, رُبما لأن آخر عهدي به في الدراسة كان في فترة الإعدادي, لكن هذه الزيارة للمتحف جعلتني في شوق لرؤية و معرفة المزيد, و عزمت على القراءة عن التاريخ المصري و الإسلامي, صحيح أن قراءة معلومات مُباشرة في غير سياق أدبي تُضجرني, لكن هذا العالم البديع يستحق محاولة القراءة عنه.
صدمتني الحضارة التي رأيتها, خاصة الفنية التي تجلّت في الرسم و النحت و الصناعات اليدوية البديعه, لفت نظري ذوقهم البسيط الرفيع في بعض المجوهرات و قطع الزينة, رسم الراقصات على جدران الحمامات و الأعمدة, حواجبهن المُتصله و رِقّة زينتهن, عرفت أنهن راقصات من اللوحات التوضيحية فقط و ليس من مظهرهن, المشربية الأنيقة, المعمار المُتقن, الأواني المُزخرفة, السيوف المُطعّمه بالماس, الساعات الرملية, الخرائط التي توضح أوقات الصلاة بحسابات بسيطة, كُل شئ كان يدُل على ذوق و حِرفية...و روقان :) رغم الحروب و القوة و الضعف, لكن الإتقان كان غالب على كل شئ.
أعظم ما رأيت كان هذه الآثار الطبيّة العتيقة, أوراق قديمة تتضمن رسومات للتشريح الكامل لجسم الإنسان و معلومات طبية حديثة, و وصفات طبية مكتوبة بخط هو في حد ذاته فن!, أدوات تشريح و خيوط جراحية و مقصات مٌزيّنة بأحجار كريمة و مشارط و موازين و معايير دقيقة, حضارة مُشرّفة في وقت كانت تُعاني فيه أوروبا من الظلام و الجهل, هكذا كانت الدول الإسلامية و هكذا كانت مصر!

تذكرت عمرو خالد في أحد دروسه القديمة عِندما كان يُشبِّه المصريين اليوم بِسِمبا في فيلم الأسد الملك "أسد لا يُدرِك حقيقته و يعيش حياة الحيوانات البرّية الضعيفة و يقول في وجه المِحن هكونا ماتتا..أي لا شئ يُهم", كان عمرو خالد يقول للشباب حتى يفيقوا من سلبيتهم و إنهزامهم (إنت أبوك كان أسد..!) نعم و لقد رأيت الأسد في المتحف, خرجت و أنا موقنه تماماً أن أجدادنا و أسلافنا كانوا أسود, فلماذا نرضى بأدوار أقل في الحياة!

آمن صغيري أيضاً كان مبهور و فخور, على عكس ما توقعت وجدته سعيد و شغوف بِكُل قطعة و تاريخها, بل و خياله أخذه لأبعد من هذا و راح يسألني على ما وراء الأشياء و على قصص نسجها, و حقائق أراد أن يعرفها, حاولت أن ألتقط صورة في البداية ففوجئت بأن التصوير ممنوع!, تُزعجني الممنوعات الغير مُبرره, لذلك إنتهزت فُرصة غياب المُرشدين و ضبطت الهاتف على الوضع الصامت و إلتقطت عِدة صور, فإذا بأحدهم يستدعيني و يُخبرني أنه رآني في الكاميرات و أنا أُصوّر :) المُهم أنّي إحتفظت بالصور, و إحتفظت بهذ الأثر الجميل الذي تركه المتحف على روحي.

أخبرني التاريخ هُناك بِسرّ صغير: أننا شعوب تنساق لِحكّامها طالما كانو أقوياء و أننا نُغيّر إتجهاتنا العرقية و الدينية بما يتناسب مع القوة المُهيمنة الجديدة, بِمبدأ أثير يقول (اللي يتجوز أُمّي أقوله يا عمّي :))
المُهم..
وعدت آمن بزيارة قريبة لقلعة صلاح الدين الأيوبي :)